أكدت الناشطة الحائزة على جائزة نوبل للسلام، توكل كرمان، أن الثقافة تمثل قوة إنسانية قادرة على بناء الجسور بين الشعوب وتعزيز قيم التفاهم والسلام، مشددة على أن الشباب اليمني يمتلك القدرة على صناعة المستقبل رغم الحرب والتحديات.
جاء ذلك خلال كلمة ألقتها في فعالية “اليوم الثقافي اليمني” التي نظمها اتحاد طلاب اليمن في جامعة سكاريا بتركيا، بالشراكة مع مؤسسة توكل كرمان، تحت شعار “نمد الجسور ونبني الحضارة”.
وقالت كرمان إن الثقافة ليست ترفاً أو نشاطاً هامشياً، بل وسيلة لفهم الآخر واحترامه والتواصل معه، مؤكدة أن الثقافة الحقيقية لا تبني الجدران بل تبني الجسور.
وأضافت كرمان أن العالم اليوم، المليء بالتعقيدات والصراعات، يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى مساحات مشتركة للتواصل الإنساني، معتبرة أن الثقافة تمثل أحد أهم أشكال المقاومة التي تحافظ بها الشعوب على هويتها واستقرارها.
التمسك بالامل
وشددت على أن اليمن، رغم الحرب والألم، ما يزال يحمل ثقافة حياة وروحاً قادرة على التواصل والعطاء، مؤكدة أن الحضارة لا تُقاس فقط بإرث الماضي، بل بما يقدمه الجيل الجديد من علم وإبداع وعدالة وأمل.
وخاطبت الطلاب اليمنيين بالقول إنهم يمثلون صورة اليمن وثقافته وإنسانيته، داعية إياهم إلى التمسك بالأمل والإيمان بقدرتهم على التغيير، وعدم الاستسلام للإحباط أو الظروف الصعبة.
وأكدت أن الشعوب القادرة على النهوض هي التي تؤمن بنفسها، مستشهدة بتجارب دول مثل اليابان وألمانيا وتركيا التي استطاعت تجاوز الأزمات وبناء نماذج ناجحة في التنمية والتعليم والاقتصاد.
تاريخ حضاري عريق
وأشارت كرمان إلى أن اليمنيين يمتلكون تاريخاً حضارياً عريقاً، وأن الشعب اليمني الذي “نحت بيوته بين الجبال وبنى المدرجات الزراعية” قادر اليوم أيضاً على تحويل المحنة إلى فرصة للنهوض وبناء المستقبل.
كما عبرت كرمان عن تقديرها لتركيا على احتضانها آلاف الطلاب اليمنيين وفتح أبواب التعليم والمعرفة أمامهم، معتبرة أن التجربة التركية تمثل نموذجاً يُحتذى به في النهوض بالعلم والعمل والإرادة.
وفي ختام كلمتها، دعت كرمان الشباب اليمني إلى التمسك بأحلامهم وطموحاتهم، مؤكدة أن الأمل ليس هروباً من الواقع، بل فعل مقاومة وخارطة طريق للخروج من النفق، وأن الطغاة يخشون الإنسان الذي يؤمن بنفسه ويملك حلماً واضحاً وعقلاً حراً يعرف ما يريد.
وفيما يلي نص الكلمة:
في البداية، أود أن أعبر عن سعادتي بوجودي في هذا الملتقى الذي يجسد حالة تواصل ثقافية وحضارية مهمة. وما يزيد من سعادتي هذه الشراكة بين مؤسسة توكل كرمان واتحاد الطلاب اليمنيين في تركيا - فرع مدينة سكاريا - التي أثمرت هذا اليوم الممتلئ بالثقافة والفن.
يسعدني ويشرفني أن أقف بينكم اليوم في هذا الفضاء المعرفي والإنساني الرحب.
وأجد أن شعار هذا المهرجان الثقافي اليمني: “نمد الجسور ونبني الحضارة” ليس مجرد عبارة جميلة، بل رسالة إنسانية يحتاجها عالمنا اليوم أكثر من أي وقت مضى.
فالثقافة ليست ترفاً ولا أمراً هامشياً، والدول التي ترى الثقافة نشاطاً ترفيهياً تتعرض لخسائر كبيرة. الثقافة ليست فقط فنوناً وأغانٍ وموروثات شعبية، بل هي الطريقة التي يرى بها الإنسان العالم، ويتعلم من خلالها احترام الآخر وفهمه والتواصل معه. والثقافة الحقيقية لا تبني الجدران، بل تبني الجسور.
وفي عالم اليوم المليء بالتعقيدات، تبرز الثقافة كقوة ناعمة قادرة على خلق مساحات مشتركة بين الشعوب، ومد جسور حقيقية للتواصل بينها. ولا تكمن أهمية الثقافة في كونها أداة دبلوماسية فقط، بل في كونها أحد أهم أشكال المقاومة التي تحافظ بها الشعوب على هويتها وتوازنها واستقرارها.
وحين نقول اليوم “نمد الجسور”، فنحن لا نقصد فقط الجسور بين اليمنيين أنفسهم، بل الجسور بين الشعوب والثقافات والأفكار والإنسانية المشتركة. فالعالم لا يُبنى بالخوف والكراهية والعنصرية، وإنما يُبنى حين يتعرف الناس على بعضهم بصدق واحترام.
إن وجودكم هنا، في جامعة دولية وبين ثقافات متعددة، فرصة عظيمة لتجسيد هذا المعنى. أنتم لا تمثلون أنفسكم فقط، بل تمثلون صورة اليمن وثقافته وإنسانيته. وكل حوار جميل، وكل تعاون، وكل احترام للتنوع، هو مساهمة في بناء عالم أكثر سلاماً وعدالة.
ولهذا فإن هذا المهرجان ليس مجرد احتفال ثقافي، بل رسالة تقول إن اليمن، رغم الحرب والألم، ما زال يحمل ثقافة حياة وروحاً قادرة على التواصل والعطاء، وما زال يؤمن بأن الثقافة والحوار أقوى من الكراهية والانقسام.
أعزائي الطلبة،،
اليمن يمتلك تاريخاً طويلاً من الحضارة، ولم يكن يوماً بلداً منغلقاً على نفسه، بل كان دائماً مساحة عبور وتفاعل حضاري. من موانئه عبرت التجارة، ومن مدنه انتقلت المعرفة، ومن إنسانه خرج الشعر والموسيقى والحكمة وروح التعايش.
لكن اليمن بالنسبة لنا ليست فقط حضارة قديمة نفخر بها، وإنما حاضر يقاوم واقعه المؤلم ويحاول أن يبدأ من جديد مهما كانت الظروف صعبة.
وهذا ما أراه في عنوان الفعالية اليوم: “نبني الحضارة”. فهذه العبارة البسيطة تحمل روح مسؤولية كبيرة، وتعكس وعياً حقيقياً لدى هذا الجيل بأن الحضارة لا تُقاس فقط بما تركه الأجداد، بل بما يستطيع الأبناء أن يضيفوه اليوم من علم وعدالة وإبداع وأمل.
أن يكون بيننا باحثون، ومهندسون، ومبدعون، وفنانون، ورواد أعمال ، ومحامون ، واطباء، وقادة في مختلف المحالات يحملون صورة مختلفة عن اليمن؛ صورة الإنسان القادر على البناء لا الإنسان المحاصر بالهزيمة.
نعم، تعاني بلادنا اليمن من الحرب والانقلاب والفساد، كما يشهد العالم كله تراجعاً للديمقراطية وصعوداً للسلطويات وخطابات الكراهية والعنصرية. وعلى المستوى الشخصي، أعرف ما يعانيه الطلاب اليمنيون داخل اليمن وخارجه من ألم ومعاناة وضغوط قاسية.
لكن هذا كله لا ينبغي أن يصنع منا جيلاً خائفاً أو منكسراً. الإرادة الحرة قادرة على تحويل المأساة إلى قوة، والمحنة إلى بداية للنهوض.
وإذا تأملنا مسيرة الحضارات عبر التاريخ، سنجد أنها لم تولد من الرفاه والاستقرار، بل من قلب الأزمات والتحديات.
اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية تحولتا من الدمار إلى نماذج عالمية في الاقتصاد والتكنولوجيا والتعليم، لأن شعوبهما لم تستسلم للهزيمة.
وتركيا، البلد الذي تعيشون فيه اليوم، مرت بمراحل صعبة من الانقسامات والانقلابات والأزمات، لكنها استطاعت أن تبني تجربة مهمة في الصناعة والتعليم والبنية التحتية، لأن الشعوب التي تؤمن بنفسها قادرة دائماً على النهوض مهما تعثرت.
أما الشعب اليمني، الذي نحت بيوته بين الجبال، وبنى المدرجات الزراعية، وشيّد واحدة من أعرق الحضارات الإنسانية، فلم يصنع ذلك لأنه عاش حياة سهلة، بل لأنه واجه التحديات وحوّلها إلى إنجازات عظيمة.
وهذه العبقرية نفسها موجودة اليوم فيكم أنتم. أنتم الروح الخلاقة لهذا الشعب، والمحنة ليست نهاية التاريخ، بل قد تكون بداية الفصل الأجمل فيه.
العالم اليوم لا ينتظر من يملك القوة فقط، بل من يملك الفكرة والمهارة والقدرة على التعلم والابتكار. ولهذا فإن أهم ما يمكن أن يفعله الشاب اليمني اليوم هو أن يؤمن بنفسه وبقدرته على صناعة مستقبله رغم كل الظروف.
لا تسمحوا للإحباط أن يتحول إلى طريقة تفكير، ولا تجعلوا الظروف تقنعكم بأن أحلامكم مستحيلة. فالكثير من الإنجازات العظيمة بدأت بأشخاص عاديين امتلكوا فقط الشجاعة الكافية ليحاولوا.
أؤمن أن المستقبل لا يصنعه أصحاب الظروف المثالية، بل أولئك الذين يمتلكون إرادة حقيقية. والشباب اليمني، رغم كل شيء، ما زال يملك طاقة للحياة، وقدرة على التعلم، وروحاً قادرة على تحويل الألم إلى قوة.
أنتم لستم ضحايا لواقع لم تختاروه، بل أنتم الرهان الحقيقي لتغييره.
وأنتم هنا، في هذه الجامعة الدولية، لا تغتربون عن وطنكم فقط، بل تفتحون لأنفسكم أبواب المعرفة والتجارب والخبرات. كل قاعة تدخلونها، وكل فكرة تطورونها، هي لبنة في بناء يمن المستقبل.
وأود هنا أيضاً أن أتوجه بالشكر والتقدير إلى تركيا، هذا البلد الذي احتضن آلاف الطلاب اليمنيين وفتح أمامهم أبواب التعليم والمعرفة. فتركيا بالنسبة لنا ليست مجرد بلد للدراسة، بل تجربة نتعلم منها كيف يمكن للأمم أن تنهض من جديد بالعلم والعمل والإرادة.
ختاماً:
امضوا وعيونكم على الأفق الواسع، واملأوا صدوركم بالفخر الواعي بهويتكم، وتذكروا دائماً أن العبقرية الكامنة في داخلكم تنتظر منكم الفعل والعمل الدؤوب.
نحن هنا اليوم، ومن خلال هذا التنوع البهي، نقول للعالم: ها هم أبناء اليمن يتعلمون، ويبنون، ويبتكرون، ويضيفون إلى المشهد الإنساني وجهاً جديداً من وجوه الجمال والعطاء.
أنتم السفراء الحقيقيون لثقافتكم، والجسور الحية التي تربط بلدكم بالعالم. حوّلوا الألم إلى طاقة للإبداع، واجعلوا من إرثكم الثقافي منطلقاً للابتكار لا قيداً للانكفاء.
إياكم أن تفقدوا الأمل. إياكم أن تسمحوا لهذا العالم القاسي أن يسرق منكم إيمانكم بأنفسكم وبأن المستقبل يمكن أن يكون أفضل.
الأمل ليس هروباً من الواقع، بل فعل مقاومة وخارطة طريق للخروج من النفق.
تمسكوا بأحلامكم، وشغفكم، وطموحكم، وإيمانكم بأنفسكم. احلموا، وتعلموا، واعملوا، ولا تستسلموا.
تذكروا دائماً أن كل إنجاز عظيم بدأ بحلم بدا مستحيلاً في البداية، وأن الإنسان يستطيع أن يغير مصيره حين يؤمن بنفسه ويتمسك بالأمل مهما اشتدت الظروف.
قد يتأخر الفجر… لكنه لا يولد إلا من قلب العتمة.
فالطغاة لا يخشون فقط الجيوش والأسلحة، بل يخشون الإنسان الذي يؤمن بنفسه، ويملك حلماً واضحاً، وعقلاً حراً يعرف ما يريد.
ولأن الشعوب التي تؤمن بقدرتها على التغيير تستطيع، مهما طال الزمن، أن تبني حضارتها من جديد.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.




