عقدت الناشطة الحائزة على جائزة نوبل للسلام، توكل كرمان، اجتماعاً موسعاً واستثنائياً استمر لأكثر من ساعة ونصف مع أعضاء مجلس الأمن الدولي، بحضور ممثلي الدول دائمي العضوية (الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، فرنسا، روسيا، والصين) إلى جانب الدول الأعضاء في المجلس.
وشهد اللقاء نقاشاً حراً وشفافاً تناول عمق الأزمة اليمنية وتداعياتها، مع التركيز على استعادة مؤسسات الدولة الشرعية كمدخل أساسي وحيد لتحقيق السلام الدائم وتفكيك أسباب الصراع من جذوره.
جذر الأزمة
وخلال اللقاء، أكدت كرمان أن الأزمة الإنسانية المروعة التي طحنت ملايين اليمنيين، وما رافقها من انهيار اقتصادي، وتفشي الجوع، وتوقف الخدمات الأساسية، وانتشار الألغام، والاعتقالات القسرية، ليست سوى "أعراض جانبية ونتائج كارثية لمأساة كبرى واحدة" تمثلت في إسقاط الدولة اليمنية وتقويض مؤسساتها إبان انقلاب ميليشيا الحوثي المدعومة مالياً وعسكرياً ولوجستياً من إيران.
وأوضحت كرمان أن التعامل مع النتائج الكارثية دون معالجة السبب الرئيسي لن يؤدي إلا إلى إدارة الأزمة وتأجيل انفجارها بشكل أشد ضراوة، مشددة على أن وضع التجاوزات والأخطاء والتدخلات الخارجية في سياقها الصحيح لا يعني التسامح معها، بل يفرض الانتقال الفوري نحو معالجة "السبب الجذر".
رؤية الحل الجذري
طرحت توكل كرمان أمام ممثلي الدول الأعضاء معالم الحل المستدام المرتكز على أدبيات الإجماع الوطني والقرارات الأممية ذات الصلة، وفي مقدمتها مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل وقرارات مجلس الأمن، وتتلخص في:
- قيام دولة يمنية واحدة كاملة السيادة تستعيد سلطتها الحصرية على كامل التراب الوطني، وتخضع تحت رايتها كافة التشكيلات العسكرية والأمنية.
- فتح باب المشاركة السياسية والحزبية التنافسية المتساوية لجميع المكونات دون استثناء—بمن فيهم جماعة الحوثي—عبر صناديق الاقتراع والعمل المدني المكفول بالقانون.
- التأكيد على أن العمل السياسي حق مكفول للجميع، بشرط التخلي التام عن السلاح وعدم الاحتفاظ بميليشيات أو كيانات موازية لشرعية الدولة.
وشددت كرمان على "أن استعادة الدولة لا تعني الاجتثاث أو خيار الحرب الأبدية، بل تعني خضوع الجميع لسلطة القانون والديمقراطية والتخلي عن منطق القوة المسلحة."
أدوات الضغط الدولي
دعت كرمان أعضاء مجلس الأمن الدولي -الذين سبق وأن رعت دولهم مسار الانتقال السلمي في اليمن- إلى تحمل مسؤولياتهم التاريخية وعدم الاكتفاء بإدارة الأزمة، بل العمل الفعال على دعم استعادة الدولة من خلال استخدام مروحة واسعة من الأدوات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والقانونية.
وأكدت كرمان خلال النقاش على ضرورة دعم الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً وتقوية مؤسساتها لتمكينها من أداء واجباتها الخدمية والاقتصادية من داخل الأراضي اليمنية، وتجنب منح الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة أي شرعية سياسية أو معاملة تؤدي إلى تكريسها كسلطة موازية، كون ذلك يرفع كلفة الحل ويقوض فرص السلام السلمي.
مهدد للأمن والسلم الدوليين
وحذرت كرمان من أن استمرار العجز عن معالجة الأزمة اليمنية أدى بالتجربة والبرهان إلى تحول الانقلاب الحوثي من كارثة محلية تطال الداخل اليمني، إلى تهديد مباشر للإقليم، وصولاً إلى معضلة تمس الأمن والسلم الدوليين وتضرب سلاسل الإمداد، والتجارة العالمية، وأمن الطاقة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
ولفتت كرمان إلى أن الميليشيات المسلحة غدت أداة تنفيذية ضمن مشروع النفوذ الإقليمي الإيراني، مما يجعل من استعادة الدولة اليمنية واستقرارها ليس مجرد مصلحة وطنية يمنية فحسب، بل ضرورة إستراتيجية ملحة لحفظ أمن المنطقة والعالم.


